سورة الحشر .. منهجيات في الإصلاح والتحرير (3)
المنهجية الثانية: القياس والاعتبار

أ.د. صلاح الدين سلطان
بعد أن ذكر الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، لفت الأنظار إلى منهجية "القياس والاعتبار" في تكرار ما حدث ليهود بني النضير مع كل من فعل فعلهم من الكفار، فقال سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2)، وقد ذكر أئمة التفسير الطبري والفخر الرازي والشوكاني والجصاص وغيرهم أن هذه الآية نزلت في شأن بني النضير، لما نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "اخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا، فتنادوا بالحرب، وحصَّنوا الأزقة فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من مقامهم، جلوا ورحلوا إلى الشام"، وأن في الآية أمرًا بالاعتبار، والقياس في أحكام الحوادث ضرب من الاعتبار فوجب استعماله في الحوادث والأحكام المتشابهة[1].
أما الألوسي فقد ذكر اشتهار الاستدلال بالآية على حجية القياس؛ لأن الأمر بالاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس،[2] أما الفخر الرازي فقد ذكر أن الآية يستدل بها على حجية القياس إلا أنه قد اختصر كثيرًا في تفسيره وأطال في محصوله،[3] حيث أطال الاستدلال بها على حجية القياس، وإلى مثل هذا ذهب الآمدي في الإحكام، والسبكي في الإبهاج، والبدخشي والإسنوي في شرحهما، وابن قدامة في روضة الناظر، وإن كان هناك من ينكر الاستدلال بها على حجية القياس مثل الغزالي من الشافعية والشوكاني من الزيدية وكل علماء الظاهرية والإمامية، ووجه الاستدلال عند جمهور الأصوليين والمفسريين أن الله تعالى لما ذكر من شأن اليهود وتحصنهم بحصونهم، واعتمادهم على قوتهم فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وانهارت قواهم وأُخرجوا من المدينة، (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2)، أي قيسوا حالكم بحالهم فإن فعلتم مثل فعلهم فُعل بكم مثلما حدث لهم، وذلك لأن الاعتبار من العبور وهو مجاوزة الشيء إلى غيره، والقياس مجاوزة حكم الأصل إلى الفرع بجامع العلة، وعليه يكون القياس مأمور به بدلالة الإشارة.
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: "إن الاعتبار سواء فُسِّر بالعبور أو بالاتعاظ فهو تقرير أن سُنة الله في خلقه أن ما جرى على الشيء يجري على نظيره، ألا ترى أنه إذا فُصل موظف لأنه ارتشى فقال الرئيس لكل الموظفين إن لكم فيه لعبرة أو اعتبروا فسيفهم الجميع إنهم إن فعلوا فِعله عوقبوا بمثله"[4].
وقد جمعتُ في كتابي "الأدلة الاجتهادية بين الغلو والإنكار" في دراستي عن القياس أقوال المفسرين والأصوليين والمرات الثمانية التي ورد فيها لفظ الاعتبار في القرآن الكريم فوجدتها كلها تدل على صحة منهجية القياس، والعجيب أن كثيرًا من هذه المواضع له صلة بانتقام الله من الظالمين، فالاعتبار يعني العبور من شاطىء الماضي الغابر إلى شاطىء الواقع المعاصر، ومن ذلك:
أ. قوله تعالى في سورة النازعات بعد قصة هلاك الفرعون: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ) (النازعات 25-26).
ب. وفي سورة آل عمران يحدثنا الله تعالى عن فئتين التقيا فأيد الله الفئة المؤمنة على الكافرة وختمها بالاعتبار ليدل على التكرار إذا استجمعنا الإيمان وواجهنا أعداء الله فسينصرنا الرحمن، كما جاء في الآية: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) (آل عمران:13).
آية الاعتبار ببني النضير أعطتنا عددًا من الدلالات الهامة جدًا في صراعنا الدائم مع اليهود أهمها ما يلي:
1. أن حقيقة المعركة بين هؤلاء الكفار من اليهود ورب العزة سبحانه - كما ذكرنا في المنهجية السابقة - فهو سبحانه الذي أخرجهم من ديارهم، وهو الذي أتاهم من حيث لم يحتسبوا، وهو الذي قذف في قلوبهم الرعب، وهو الذي طمس على بصيرتهم فخرَّبوا ديارهم وهدى المؤمنين، وأيدَّهم بنصره فأنهوا وجودهم.
2. أن ختام الآية بالاعتبار يدل على التكرار وأن أحداث الماضي سوف تتكرر حيث يبني اليهود حصونهم، ويُشيعون أن قوَّتهم لا يقدر عليها أحد حتى الله، لكنهم في الميدان لا يثبتون ويفرون بعد تخريب ديارهم بأيديهم وأنه لا معنى للاعتبار إلا باليقين الجازم أن كل ما يفعلونه الآن سوف يتكرر معه الشيء نفسه الذي حدث في الماضي، وأن دورنا الأول أن نستجمع خصال الإيمان لنستحق عناية الرحمن وتأييده لنا بالنصر والعز والتمكين وهذا هو القياس الذي يجب أن يخرج من دائرة الفقه إلى رحبة الحياة كلها.
والذي أدعو إليه بحق أن نبذل قصارى جهدنا في استجماع واستكمال صفات المؤمنين وأن نخوض المعركة مع الصهاينة المعتدين وكلنا أمل ويقين أن الله تبارك وتعالى سيخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين اعتبارًا بما جرى لهم في الماضي وقياسًا على ما يحدث في الحاضر.
وحتى نلتقي على خير وبركة سلام الله تعالى وعليكم ورحمته وبركاته.
للمزيد يمكن مطالعة ما يلي:
سورة الحشر .. منهجيات في الإصلاح والتحرير (1)
ربانية المعركة بين المؤمنين واليهود

















