الخميس 26 جماد الاخر 1433 الموافق17 أيار/مايو 2012  

 
 

انت هنا فى :: الصفحة الرئيسية
 
 

مفارقات بين اللوحة الكبيرة والزاوية الحقيرة بمصر

أرسل إلى صديق طباعة PDF
Share

مفارقات بين اللوحة الكبيرة والزاوية الحقيرة بمصر

100345

 

أ.د. صلاح الدين سلطان

كنا قد بدأنا نتنفس الصعداء، الحمد لله الآن بعد عام على ثورة 25 يناير، عندنا مجلس شعب حقيقي لا وهمي، يُعبر عن مصر لا السيد الرئيس وعائلته وحاشيته، يمثل كل أطياف مصر: إخوان وسلفيين، علمانيين ومسيحيين، في لوحتهم الكبيرة وليس الحزب الوطني في زاويته الحقيرة.

 

وبدأ المجلس في توافق عجيب قبل الانتخابات الرسمية أنه تجاوز مرحلة المشاحنات الحزبية، إلى التوافقات الوطنية لمصلحة مصر الثورة، وقد وفى الإسلاميون ما وعدوا به "مشاركة لا مغالبة"، حيث فتحوا الباب لتقاسم ليس السلطة بل المسئولية وتعاون لمصلحة البلد وليس حكامها.

 

واختفت كل الشكاوى التي كانت تُسمع من الفصيلين الكبيرين "الإخوان والسلفيين"، وصار الرئيس من أكثر الأحزاب حظًا في الرضا الشعبي من خلال الصوت الانتخابي، والنائب من الحزب التالي وهو النور، والنائب الثاني من حزب الوفد، وهو يمثل التيار العلماني ولو كان تمثيله ضئيلاً.

 

وبدأ توزيع اللجان ممنهجًا وفق انعكاسات هذه الدرجات من القبول الشعبي في الانتخابات في صورة تجمع بين الواقعية السياسية والمثالية الأخلاقية، بل بدا أغلب الأحزاب الصغيرة ـ في أغلبها ـ متقبلاً لهذه القسمة العادلة المعبرة عن التوازي بين رأي الشارع المصري وتحمل المسئولية داخل المجلس.

 

وبدأت الجلسات ليس بتوزيع اللجان بل بقضية الشهداء والجرحى، وهم وقود الثورة ونبض الشعب وروح الميدان، وبدأ رئيس المجلس كما يقول المثل المصري "مَلو هدومه" أو "مالي مركزه" من حيث الشكل والمضمون، المبنى والمعنى، وتحدثت الصحف العالمية عن قوة المجلس وفاعليته وتماسكه وتعاونه لمصلحة شعبه الذي جاء به بإرادة حرة نزيهة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث.

 

وهذه هي اللوحة الكبيرة لشعبنا المصري الحر الأبي، كل هذا لم يُرض خفافيش الظلام فراحوا في زوايا السجون يكيدون بالليل، وينفذون بالنهار، واختاروا مسرح الجريمة مدينة حرة أبية هي بورسعيد، مدينة لها تاريخ وشهرة في العزة الكرامة ومع السويس والإسماعيلية في كسر أنف المحتلين والبغاة من الإنجليز والفرنسيين والصهاينة.

 

ولم يجدوا سوى التجمع الكبير في الملعب، في المباراة بين فريقي الأهلي والمصري، وبدأت الخطة بعدم تفتيش الجمهور عند الدخول كما جرت العادة، وغاب المحافظ ومدير الأمن على غير العادة، وانصرف قبل اشتعال الحرب بين اللاعبين كل الشخصيات الضالعة في الجريمة لتبدأ شرارة الإجرام المنظم من سجن طره حيث يُحبس أكابر مجرمي مصر من أولاد الرئيس "علاء وجمال" وهامان مصر "العادلي" وقارون مصر "أحمد عز" وتقوم الهانم "سوزان" بتوصيل الأخبار والحصول على موافقة الرئيس المخلوع فرعون مصر "حسني مبارك" وحدث ما لم يتوقعه أحد، الشعب المصري الذي تجمع أيام الثورة عشرين مليونًا في كل الميادين الكبرى في كل محافظات مصر دون حالة واحدة من القتل بين متظاهر وآخر، أو مسلم ومسيحي، أو حالة تحرش بين شاب وفتاة.

 

مع أنه لو حدث فالنادر لا حكم له، يتحول الأمر في لحظات إلى شلال من الدم، وقتل بطريقة بشعة رهيبة غريبة، بأن يحمل الشاب من يديه ورجليه ويلقى به من أعلى المدرجات ليتحول إلى قطع متناثرة ومزق متباعدة، وبالجنزير يلف حول العنق حتى الخنق، وحرائق في استاد القاهرة بالتوقيت ذاته.

 

هذه حقًا هي الزاوية الحادة الشاذة الغريبة التي تخالف اللوحة الكبيرة للشعب المصري التي ظهرت في الثورة ثم برلمانها المنتخب، وسارع الإعلام الذي ما زال يحمل كل خصائص النظام البائد، ويتحرك وفق جرائمه ومخازيه، سارع إلى تحويل اللوحة الكبيرة لشعبنا الطيب إلى زوايا حادة، والزوايا كأنها اللوحة الكبيرة، في تدليس من العيار الثقيل، ولا يقدمون حلاً لأية مشكلة، بل الهدف هو خدمة الإثارة.

 

ولا يأتون بعقلاء الفكر والثقافة والتربية في النسيج الجديد، وصار قادة البرامج شبه اليومية المفروضون على الشعب المسكين منذ عشرات السنين والمتلونون بكل لون، والآكلون على جميع الموائد، صاروا يصبون الزيت على النار، ويوجهون الشباب لميدان التحرير كي تبدأ جولة ثانية من المجازر بشارع محمد محمود، واستهداف وزارة الداخلية، ليبقى المجلس يراوح مكانه في علاج الأزمات المفتعلة لا المتجذرة، ويقوم بردود الأفعال لا وضع الخطط لعلاج أمراض الواقع والمآل.

 

وتخسر البورصة ما كسبته في يناير 51 مليارًا من جراء استقرار انتخاب المجلس، ويعود الفزع للشارع بعد الأمن الذي نعم به الشعب فترة الانتخابات، وكانت فترة من حدة الفزع قبل الثورة حيث كنا نُلقى في المعتقلات، وتقوم قوات الأمن بضرب وتفريق الناخبين الأحياء، وتُحيي الموتى لينتخبوا ويعودوا لقبورهم.

 

ويقوم جهاز أمن الدولة "شياطين النظام" بتدبير النتائج وفق رغبات شياطين الحزب الوطني، من أمثال جمال وصفوت وعز (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام: 112].

 

 يا قوم.. شعب مصر هو اللوحة الكبيرة الرائعة، يحمل شعبها الكبير روحًا حضارية مبهرة، وليست هذه الزوايا الحادة الشاذة التي يعبث فيها القياصرة والأكاسرة من القصور والكسور.

 

 

وسوف يهضم الجتمع الكبير هذا التيار الحقير (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 237]، ومصر بخير رغم الجرح والكيد والمكر والدس والزيف، لكن أعظكم أن تحولوا اللوحة الكبيرة إلى الزوايا الحقيرة، بشروا العالم أن اللوحة الكبيرة لمصر هي المنتصرة.

 

والزوايا الحقيرة ستذهب إلى لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فليس أغضب لله من سفك الدم أنهارًا والجراح أغوارًا (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21] ومن يغالب الله يُغلب، وستظل شمس الحق ساطعة مهما تبلدت الغيوم، وشِدة وتزول بإذن الله.

 

 
 

leaderboard