مفارقات .. بين مصر 25 يناير الأمس واليوم (2)

بالأمس قبل 25 يناير.. حدث ولا حرج عن مخازي السلطة التنفيذية، حيث كانت البلد كلها عزبة للرئيس وعائلته ومنافقيه، فكان منطقهم: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [ص: 23]، أو (مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) [الكهف: 79]، لقد أفقروا البلاد، ونشروا الفساد، وأذلوا العباد، ونشروا التخلف والمحسوبية في كل واد، حتى حرموا الشعب المصري من أنبوبة الغاز المصري ليضخوه إلى العدو الصهيوني؛ ليقتلوا به أبناءنا ونساءنا وإخواننا وأخواتنا في غزة وفلسطين، وتشتغل الجرافات في هدم البيوت، وتعميق الأنفاق تحت المسجد الأقصى، رغم قرار القضاء العادل بإبطال الصفقة الآثمة، وكان علم الصهاينة يرفرف عاليًّا أمام النيل، حيث كانت السفارة في العمارة.
أما بعد مصر 25 يناير فالمصريون في الحقوق سواء مسلمين ومسيحيين، حكامًا ومحكومين، رجالاً ونساءً، والثروة لن تكون دولة بين الأغنياء، ومركز القوة هو المواطن الثائر الحر الأبي الذي قدم الشهداء والجرحى، وواجه هذا الطاغوت ليتحول إلى بطل عالمي، قال عنه أوباما: يجب أن نعلم أبناءنا وشبابنا أن يكونوتا مثل شباب مصر، والحمد لله كما قال الله: (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [إبراهيم: 15].
لقد استجاب الشباب في أمريكا لرغبة أوباما، وتعلموا من شباب مصر 25 يناير، وذهبوا يعتصمون في مراكز التجارة العالمية في أمريكا "الوول ستريت" والمحكمة الدستورية وغيرها، أما الكيان الصهيوني فقد أسقط أحمد الشحات العلم الصهيوني، وأخرجوا من العمار، وجيل النصر مستعد للحظة النزال لإخراجهم من كل شبر من فلسطين.
مصر قبل 25 يناير خرجت من سوق الأقطان العالمية على يد يوسف والي وأتباعه، حيث سرب العملاء البذور الأصيلة طويلة التيلة إلى الكيان الصهيوني، وأتوا ببذور مسرطنة أنهكت التربة المصرية، والآن ستعود مصر بإذن الله إلى ريادتها في أسواق الذهب الأبيض، وقد تضاعف محصول القمح في هذا العام بعد الثورة ـ بفضل الله وبركاته من السماء ـ إلى أربعة أضعاف المحصول أيام الاستبداد، مما يبشر بالخير.
قبل 25 يناير كانت دار الإفتاء والأزهر يحرَّمون ويجرَّمون الخروج على الحاكم مع فجوره وفسوقه وسلبه ونهبه وظلمه وبطشه وجهله وعمالته، وبعد الثورة صدرت وثيقة الأزهر التاريخية، تؤكد أن من حق الشعوب المظلومة أن تتظاهر سلميًا وأن تسقط الطواغيت، بل قال خطيب الجامع الأزهر: إن الأزهر فداء للأقصى، ولا تزال دار الإفتاء المصرية حائرة.
قبل الثورة كانت المساجد تدار من خلال عساكر وضباط أمن الدولة، ويرعبون الناس وهم على منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرهبون الأئمة، ويرغمونهم أن يقولوا على منبر رسول الله كلامًا ممسوخًا؛ لا نقل فيه ولا عقل، سوى استرضاء وتسويغ ما يفعله النظام، فتستخدم المنابر لفقه التسويغ والترقيع، وبعد الثورة صارت المنابر حرة تستخدم لفقه الإصلاح والتغيير، وعادت لها كرامتها، عل يد أئمتها.
قبل الثورة تم إجهاض الانتخابات في كل النقابات، وصدرت القوانين تفصيلاً للاستيلاء على مقاعدها وأموالها وخنق أحرارها، واليوم بعد الثورة عادت النقابات إلى حرية الانتخابات ليصعد خيرة القيادات لخدمة أعضاء النقابة لا السيادة.
قبل 25 يناير 2011م، كان الإعلام رمزًا للتسبيح بحمد النظام وتلميع الأقزام، وتشويه الأعلام، والإسفاف في الفجور، وتحليل الخمور، وعرض مشاهد من مقدمات الزنا والخنا والرقص الفاضح، والنكت الدنيئة، والألفاظ البذيئة، والهبوط بالذوق العام إلى مستنقع ردئ، ولا غرو فقد كان وزير الثقافة جاهلاً ووزير الإعلام فاجرًا، بل كان صفوت الشريف "قوادًا" يسخر من القرآن والسنة، ومن قيم هذه الأمة، وكان اللاشريف يجهز سنة 1994م مشاهد مزورة تسئ إلى عفة أسياده من الأشراف الأطهار مثل الدكتور العالم الرباني عمر عبد الكافي، لولا أن أن الله صرف قلوبهم عنه، أما وزير الثقافة فاروق حسنى فقد سُئل: لماذا لا تتزوج فكان رده؛ لأن المتزوج مضطر أن يعيش مع واحدة!
أما وزير الثقافة اليوم فهو بفضل الله مسلم حتى النخاع (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم) [الفتح: 29] ووزير الإعلام مع اتحاد الإذاعة والتليفزيون بادروا إلى اتخاذ قرار بمنع القبلات والرقصات واللقطات الفاضحة من الشاشة المصرية كلها، ولا أدري كيف سيفعلون ذلك مع كثرة التلطيخ في الأفلام السابقة، لكنها خطوة رائعة دلت على تفهم رجال الإعلام أخلاق شعبهم، ولا ضير أن يقولوا: نحن قد اتخذنا هذا القرار ليس لفوز التيار الإسلامي، ولكن بسبب إيماننا بالقيم الأخلاقية، فالحمد لله الذي أعاد لجهاز الإعلام تذكرة للقيم الأخلاقية.
بعد 25 يناير 2012م بعد عام من الثورة، وكما يقول المثل المصري: "ولسه ياما هانشوف" وعلى كل "تفاءلوا بالخير تجدوه"، و"عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء" ولم ولن يذهب دم الشهداء والجرحى وأحرار مصر هدرًا بإذن الله؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة البقرة: 143] فاعملوا وثقوا في الرحمن.. فمصر بعد الثورة محروسة من الله تعالى.

















