مفارقات .. بين مصر 25 يناير الأمس واليوم

25 يناير.. بالأمس كان فرعون مصر حسني مبارك يجلس على العرش، ومنطقه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29] ويستعمل وزيره العادلي في كل ألوان الفساد، كما قال تعالى: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) [غافر: 36].
و25 يناير اليوم يحاكم الفرعون وهامان وقومه بتهم الاستبداد والفساد والقتل والعدوان، كما قال تعالى عن الفرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 26].
قبل 25 يناير بالأمس كان أحد عز يقول: لن ينجح واحد من الإخوان في الانتخابات، فقيل له: قل إن شاء الله، فقال: لماذا أقول إن شاء الله؟! أنا الذي أكتب القدر في مصر، وزوَّر الانتخابات بالجملة.
و25 يناير اليوم يحظى الإخوان بقرابة 50% من مقاعد مجلس الشعب، ورئيس مجلس الشعب هو الأمين العام لحزب الحرية والعدالة د. محمد سعد الكتاتني في انتخابات حرة نزيهة، شارك فيها الشعب بأكثر من 55% بقوائم انتخابات وفقًا للرقم القومي لأول مرة، كما عبر القاضي المستشار عبد المعز إبراهيم في الإعلان الأخير للانتخابات، وبين أيضًا أن هناك ثلاثين ألف مراقب من المنظمات الدولية شهدوا بنزاهتها، وبادرت اللجنة بتنفيذ جميع الأحكام القضائية، وأعطت الفرصة لثمانية عشر يومًا انتخابيًا، بعد أن كانت قبل 25 يناير 2011م، يومين فقط لإنهاء "الفبركة" في أسرع وقت، حتى صارت الانتخابات مهزلة كبرى، فالترشح والانتخاب وفقًا للولاء للحزب الوطني الحاكم، وإلا حبس المرشحون وأنصارهم، وضرب المنتخبون في مناظر متكرر عبرت عن بلطجية سياسية من الطراز الرديء.
الذي أنتج لنا أعضاء في البرلمان من الأميين شكلاً ومضمونًا، ومن المطبلين للخير والشر، وإن شئت فقل: كان الكثير منهم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، حتى إن عاملاً في قريتنا ذهب إلى النائب عن الحزب الحاكم عضو البرلمان حرامي الجواميس، وشارب المخدرات، وقاتل الأبرياء في السوق، فطلب منه أن يسعى له في النقل من مصنع في القاهرة إلى مصنع الغزل في المنوفية، فأمسك الورقة بالمقلوب، وأمعن فيها موهمًا أنه يقرأ الطلب، ثم عاد إلى العامل قائلاً: ما الذي تريده بالضبط؟ فكرر عليه: أريد أن تساعدني في النقل من المصنع في القاهرة إلى المصنع بشبين الكوم، فقال: إذن سأكلم وزير النقل ينقلك!.
أما أعضاء البرلمان اليوم فترى في وجوهم الحرية والكرامة، والنور والسكينة، والحزم والعزم، والفهم لأمراض البلد وطرق علاجها، وقد استطاعوا من أجل مصر أن يعلو أكثرهم فوق الانتماءات الحزبية، والمزايدات الاتنخابية، ليتفقوا وديًا على التنوع في قيادة المجلس رئيسًا ووكيلين ومسئولي اللجان التسع عشرة، وقد كانت هذه هبات يمنحها الرئيس وولده لمن رضوا عنه فقط، حتى يغضوا الطرف عن كل ألوان الفساد والاستبداد، فحولوهم إلى عبيد بالتزوير والتعيين، حتى إن نائبًا ممن نجحوا بالتزوير ذهب يومًا إلى وزير الداخلية المصري ليقضي مصلحة لأحد أبناء دائرته، فقال له مدير مكتبه: إن الوزير مشغول باجتماع مع مديري الأمن، فغضب وقال: أنا عضو مجلس شعب، هل أجلس لكل طلب ساعة في مكتب الوزير؟!
وعندما أخبر الوزير أمر بإدخاله وأوقفه عند الباب، وقال له أمام مديري الأمن جميعًا: يا حمار!!! لا تنس أنني أنا الذي عملتك عضو مجلس شعب، والصناديق عندي حصل الإخوان على 70%، فلا تأتي مكتبي مرة ثانية، وإلا لبستك تهمة وأخرجتك من المجلس.
قبل الثورة كان رؤساء الجامعات والعمداء يذلُّون الأساتذة والطلاب معًا، حيث أتى الجميع بالتعيين، العميد والرئيس والنائب، ورائد الاتحاد وموظفو رعاية الشباب، فتحولت الجامعات إلى سجن كبير، وقد اعتُقل من الحرم الجامعي في سنة 1994م ثلاثون طالبًا من داخل الجامعة بأمر من رضوخا لصغار لضباط أمن الدولة، وبعد الثورة صار رئيس القسم وعميد الكلية ورئيس الجامعة بالانتخاب، مما يبشر بحرية البحث وكرامة الشباب، وانطلاق الأنشطة في الجامعات المصرية.
قبل الثورة كان خيرت الشاطر وإخوانه في سجن طرفه وفق محكمة عسكرية ظالمة، واليوم يتساءل القوم هل سيصير خيرت الشاطر رئيس الوزراء أم لا؟! ولو شاء إخوانه أن يكون رئيس الجمهورية لحدث بإذن الله، ثم ثقة واختيار الشعب المصري، لكنهم آثروا منهجية التدرج والمشاركة لا المغالبة، هذا في الوقت الذي يرقد في نفس مكان الشاطر وإخوانه في سجن طره الجلادون الذين طاردوا وقاوموا وسجنوا وعذبوا الإخوان وغيرهم من الأحرار، وباختصار كانت "الجماعة المحظورة" قبل 25 يناير 2010م، فصارت بفضل الله الجماعة المحظوظة في 2012م.
والبقية تأتي وإن غدًا لناظره قريب.

















